Back to the main page
Can't find the answer? Ask
Submit Articles
Publish your articles and reach thousands of readers worldwide.
Publish
■ Welcome Guest, LogIn
■ Connexion avec 
Category : Religion & Spirituality » Theology | Posted by : Viper | Posted on : 2/23/2011 | Updated on : 2/23/2011
Keywords : 1921
العلمانية ليست ضد القرآن


لمن لا يعرف محمد الطالبي، فهو أستاذ جامعي وعالم إسلامي تونسي ولد في تونس العاصمة سنة 1921. درس بالمدرسة الصادقية ثم بجامعة السوربون بباريس حيث حصل على شهادة الدكتوراه، وهو أول عميد لكلية الآداب في جامعة تونس في عام 1955، وقد التحق بالجامعة التونسية حيث د...رّس التاريخ الإسلامي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس، قبل أن يشغل منصب عميد لنفس الكلية في عام السبعينات. وانضم في عام 1995 إلى المجلس الوطني للحريات في تونس، المنظمةغير المعترف بها من قبل الحكومة. وقد دعا إلى القراءة من ناقلات القرآن الكريم الذي هو مراعاة القصد من الكتاب المقدس وليس الاحكام الصادرة في حقبة ماضية. من مؤلفاته : كونية القرآن، 2002 : universalité du coran
Comments :

        العلمانية: قميص ملوث و جسد مترهل

_ كثر هذه الأيام  في تونس الحديث عن العلمانية و اللائكية والديمقراطية بحثا عن نظام الحكم الأنسب  للخروج  من عنق الزجاجة وتجاوز الحالة المأزومة التي تركنا فيها نظام بن علي الفاسد...فبدأ كل واحد يدلي بدلوه , ولكن المتأمل لمجمل الأطروحات يرى عدم الوضوح في تناول الموضوع وعدم التناسق الإيديولوجي داخل الحزب الواحد  زيادة على غياب آليات التفكير المستنير للمساعدة على التفكيك والإحالة .وهذا لا نستغربه إذا علمنا وأن أغلب الأحزاب التي تؤثث المشهد السياسي لا تستند إلى مرجعيات فكرية و عقائدية  تجعل رؤاها ومعالجاتها للمسائل متناسقة ووفية لهاته المرجعيات فالشيوعي يدافع عن الديمقراطية و الهوية الإسلامية ,الليبرالي يتبنى شعارات القومية العربية و المحافظة على الهوية الإسلامية و الإسلامي يدعو إلى الديمقراطية و المدنية...  ذلك أن العالم اليوم بشعوبه وأممه تسوده أو تتجاذبه ثلاثة مبادئ أساسية  ذات مرجعيات اديولوجية مختلفة في الكليات و الجزئيات  وهذه المبادئ هي المبدأ الديمقراطي الرأسمالي ,المبدأ الاشتراكي الماركسي والمبدأ الإسلامي ونعني بالمبدأ الفكرة الكلية عن الكون والحياة والإنسان وعلاقتها بما قبل الحياة الدنيا وما بعدها وما ينبثق عن هذه الفكرة الكلية من معالجات متمثلة  في أحكام وقوانين تضبط حياة الإنسان وتنظم عيشه.

و خلافا لهذا الطرح فإن الأفكار التي لا تنبثق عنها معالجات هي خيالية و طوباوية وهي بذلك أقرب إلى اليوتوبيا منها إلى مبادئ تأسس لحالة فلسفية جديدة تفرز قوانين تعالج حياة الإنسان في علاقته بنفسه وبالآخرين أو أن تكون مجرد قوانين وتشريعات ونظم مضمنة  في دستور جاف وجامد لا يستند إلى خلفية اديولوجية.

إذن وبناءا على هذه الرؤية التي تقسم المشهد السياسي إلى ثلاثة مبادئ نقول أن أغلب الأطياف السياسية تتخندق في خندق واحد اسمه المبدأ الديمقراطي الرأسمالي  مع بعض الترقيعات الطفيفة لذر الرماد على العيون, والذي يحمل في طياته زيادة على الديمقراطية, العلمانية واللائكية والليبرالية والفرنكفونية و حتى الإمبريالية... إذن فكل هاته الأسماء هي لمسمى واحد مع بعض الاختلافات طبقا للإطار الزماني والمكاني,وهي كذلك تجليات مختلفة لحضارة واحدة توالدت من نفس الرحم وعاشت بين نفس الأحضان, ذلك أن الإمبريالية بوجهها المتوحش المتمثل في احتلال الشعوب و إبادتها و سرقة ثرواتها و تهميش معتقداتها لم تظهر إلا عند ظهور الرأسمالية الباحثة من أسواق خارجية لترويج منتوجاتها ونهب ثروات الشعوب والتي هي بدورها الوصفة الاقتصادية للديمقراطية حيث أن هذه الأخيرة تقوم على الحريات أربع : المعتقد – الرأي  - الحرية الشخصية – وحرية التملك  وبالتالي تعطي لصاحب رأس المال الحرية الكاملة في التملك والكسب(دعه يعمل دعه يمر) بدون ضوابط أخلاقية أو دينية إلا من ضوابط قانونية سرعان ما تتهاوى أمام العلاقات المشبوهة و لنا في محاكمة طوني بلير أحسن مثال,هذا الذي تواطأ مع شركات النفط لغزو العراق و اقتسام الغنيمة,ونفس الشيء فإن هاته الأخيرة أي الديمقراطية هي إفراز طبيعي للعلمانية أو اللائكية التي رفعت يد البابا عن الدولة، إذن فمن الغباء الإيديولوجي وربما من الدجل السياسي أن نفصل العلمانية عن الديمقراطية أو اللائكية عن الرأسمالية إذ أنها كلها تمضهرات لكينونة واحدة اسمها المبدأ الديمقراطي الرأسمالي ويجب أن ينظر لها على هذا الأساس وأن نقف منها موقفا حضاريا مبني على هذا الأساس. فالعلمانية "بفتح العين من العالم و جاءت كرد فعل يناهض الصلاحيات الإلهية التي كان يتمتع بها رجال الدين ,إما العلمانية بكسر العين فهي من العلم و يعني ذلك اعتماد النظريات العلمية لدراسة كل الظواهر خلافا للتفسيرات الميتافيزيقية . وهي في العموم  فصل الدين عن الدولة "laïcité"أو فصل الأخروي عن الدنيوي séculération و تشترك مع اللائكية في الفصل التام بين الدين والسياسة أي جعل الدين مسألة شخصية لا علاقة لها بحياة الناس اليومية ويجب أن يختزل دور الدين في دور العبادة فقط وأن يقصى نهائيا عن تنظيم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان وعن علاقته بالدولة والتشريعات, غير أن العلمانية تهادن الدين أو تطلقه بالتراضي لكن اللائكية تحاربه وتطارده في معاقله. وهما يختلفان في ذلك مع الإسلام اختلافا كليا وجذريا, فمن حيث المنشأ فإن الفكر العلماني جاء كرد فعل عنيف عن تغول رجال الدين وتحكمهم في رقاب الناس باسم الدين باعتبارهم ظل الله فى الأرض و من يعصيهم فقد باء بغضب الله و سخطه , و اعتبار الملوك يستمدون شرعية حكمهم من السماء بواسطة البابا الذي يزكيهم و يوزع صكوك الغفران على من ولاه وهذا ما قرره مجمع روما المنعقد سنة 1215 م و ما على الناس إلا الطاعة و الانصياع لأوامر الكنيسة التي تتحكم في مفاصل الحياة كلها و تحلل و تحرم ما تراه صالحا لديمومتها و تأبيد  حكم الملوك باسم الرب و من يخالف ذلك ينعت بالهرطقة .

فكان من جراء هذا الحيف أن بدأ التذمر و الاحتقان يظهران بين رجالات الفكر و الأدب المطالبين بالإنعتاق من بوتقة الكنيسة و ظلمها و تجبرها باسم الدين و التعاليم الإهية و بدأ التململ و العصيان يشق صفوف المنادين بالإطاحة بالحكم الكنسي إلى أن تطور فأصبح صراعا دمويا بين ملك مستبد و شعب مستضعف حرم من حريته و سلب فكره, و لنا في واقعة قاليلى خير دليل على قمع الكنيسة لكل تفكير عقلاني و لنا أن نذكر كذالك ما تعرض له أستاذ اللاهوت مارتن لوثر ٌالقرن السادس عشر ميلاديٌ من حرمان على يد البابا ليو العاشر... و لما فاض الكيل و بلغ السيل الربي لم تجد أوروبا من حل سوى الثورة و رفع شعار"شنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس" . والمطالبة بفصل الدين عن الحياة و من هنا جاءت فكرة العلمانية...

هذا من حيث نشأتها و من حيث السياق التاريخي و التصور الديني الذي ولدت فيه و ترعرعت بين ظلمه وعسفه فهو يختلف كليا عن التصور الإسلامي فكرا و معالجة حيث أن الإسلام دين و دولة أي أنه عقيدة تنبثق عنها أحكام و معالجات لرعاية شؤون الناس وفق دستور مستمد من كتاب الله و سنة رسوله لا من أهواء الملوك و مصالح رجال الدين كما في النصرانية.  قال تعالى: "و أن أحكم بينهم بما أنزل الله و لا تتبع أهواءهم و أحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك." أما النصرانية فكتابهم المقدس يقول "دع ما لقيصر لقيصر و ما لله لله " و هو   إقرار ضمني من النصرانية بفصل الدين عن الحياة  يعني أن المسيحية مهزوزة من الداخل و تحمل نهايتها في أدبياتها  و نعني بذلك الجانب التشريعي و رعاية شؤون  الناس كأنها تعلم مسبقا وانه  مع تطور حاجيات الناس و استحداث المستجدات  فإنها تكون غير قادرة على مجاراة هذا النسق و إيجاد الحلول لكل ما هو طارئ جديد و بالتالي الاستنجاد بالقوانين الوضعية يعني أنها حكمت على  نفسها   بالموت و حصلت على رقم إيداع بالمتحف البشري للعلوم الإنسانية .

 أما في الإسلام فلا يوجد كهنة أو رجال دين أو إكليروس  أو بابوية بل يوجد علماء و فقهاء و مجتهدون و لا فرق بينهم و عامة المسلمين ."إن أكرمكم عند الله أتقاكم."و كما قال عليه الصلاة و السلام "التقوى هاهنا و أشار إلى قلبه "  وليست في الزوايا أو الكنائس أو المراكز الاجتماعية المرموقة بل هي متاحة لجميع الناس... الغني و الفقير ,الإمام و المأموم" لا فرق بين عربي و أعجمى إلا بالتقوى "و ليس بين الإنسان المسلم و ربه واسطة, فعندما يبسط يديه تضرعا يقول له المولى سبحانه و تعالى:."ادعوني أستجب لكم".و "إذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعاني " كذلك فالنبي عليه الصلاة و السلام و هو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقول لصحابته الميامين:"لا املك لكم نفعا و لا ضرا ... ولا ادري ما يفعل بي و بكم ". و في الإسلام السيادة للشرع ليست لإمام أو فقيه و لا لأي جهة أن تحكم بأهوائها أو نزواتها. قال تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" والسلطان للأمة وليس لملك يدعي أنه ظل الله في الأرض, وهي التي تنصب الخليقة وتبايعه .قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "من مات وليس قي عنقه بيعة مات ميتة جاهلية."

إذن فالدولة الإسلامية دولة بشرية و ليست دولة تيوقراطية و الخليفة ما هو إلا بشر منتخب من طرف الأمة لتطبيق شرع الله ,فإن حاد عن هذا النهج وجبت محاسبته و حتى الخروج عليه, و هنا نذكر قول سيدنا عمر رضي الله عنه عندما طلب منه أن يوصي بالخلافة لأبنه من بعده فأبى وقال :"يكفي آل عمر أن يأتي عمر مغلول اليدين يوم القيامة." نعم هذا ابن الخطاب أمير المؤمنين الذي فرق بين الحق و الباطل وأقام صرح العدل والعمران وأرسي دعائم الأمن و الاستقرار وفتح البلدان و الأمصار يخاف عذاب المولى سبحانه و تعالى ربما يكون قد خالف أحد أحكامه أو حكم بما لا يرضي جلالته و هو في ذلك لم يدع العصمة أو أن اجتهاداته منزلة من السماء . وهذه كذلك شهادة لأحد المستشرقين  يؤكد على أن الإسلام دين و دولة .يقول مايكل هارت في كتابه مائة رجل من التاريخ "إن اختياري محمدا ليكون الأول من أهم و أعظم رجال التاريخ قد يدهش القراء و لكنه الرجل الوحيد فى التاريخ كله  الذي  نجح أعلى نجاح على المستويين الديني و الدنيوي... و لأنه أقام جانب الدين دولة جديدة... وحد القبائل في شعب .والشعوب في أمة و وضع لها كل أسس حياتها  و رسخ أمور دنياها.." إذن فنظام الحكم في الإسلام هو نظام الخلافة و هو ليس تيوقراطيا و لا إمبراطوريا أو ملكيا و لا حتى  جمهوريا فهو نظام متميز في شكله و مضمونه قال تعالى ."أفحكم الجاهلية يبغون و من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون".هذا من حيث شكل نظام الحكم .أما فيما يتعلق بنظرة الكنيسة للتقدم العلمي فقد رأينا كيف أنها تعادي كل الاكتشافات العلمية و خصوصا تلك المستجدات التي تمس من صدقيتها ,و هذا يختلف تماما أيضا مع نظرة الإسلام إلى العلم  و العلماء  حيث يقول الله تعالى :"يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين أوتوا العلم درجات ". ذلك أن الدين الإسلامي جاء مخاطبا العقل البشري لدفعه إلى التفكير و التأمل في ملكوت السماوات و الأرض "لقوم يتفكرون "."لقوم يعقلون ". "أفلا ينظرون ". و هي كلها دعوة للإدراك الحسي للأشياء و هي كذلك لإعمال العقل و ألا يترك متكلسا متحجرا,

 يكفي أن يعلم الناس أن القرآن وحده يحتوي على أكثر من 600 مرادف للعقل و الفكر,في حين أن الكتاب المقدس لم تذكر فيه و لو مرة كلمة "عقل " أو "فكر " و الإسلام يحض على العلم و التعلم و اكتساب المعارف و الخبرات و ليس أدل على ذلك من قوله عليه الصلاة و السلام:"أطلب العلم من المهد إلى اللحد ". حيث كانت الدولة الإسلامية تحتضن و تساعد العلماء في كل المجالات الدينية و الدنيوية و لم ينكر عليهم أحد بل وجدوا كل الحظوة و التشجيع و لنا في فترة العباسيين و المأمون بالأخص خير دليل على ما نقول لذلك سماها المؤرخ الانقليزي "ارنولد توينبي" بالعصر الذهبي حتى أن الكاتب الايطالى "امبرتو ايكو" و في  معرض رده على منظري الحقد الأعمى و العنصرية البغيضة من الأوروبيين يقول " لا تنسوا أن ابن رشد و ابن سينا و ابن خلدون هم من رموز الحضارة العربية الإسلامية التي نهلنا من منابعها حتى الارتواء ".

جاء الإسلام ليقطع مع عهد الخرافات و الخزعبلات و الفكر الأسطوري و ليؤسس لعهد مبني على الفكر العقلاني التنويري  و لا نستغرب أن تفرز لنا هذه الحضارة  أعلام كثر من أمثال أبو العلاء المعري الذي يقول '' لا إمام سوى العقل '' وهو بذلك يقصد  العقل الفاعل العقل المدبر المتأمل في عظمة الله و الناهل من معارفه, ولم ينكر عليه أحد هذا التوجه لأنه لم يخرج عن التصور الإسلامي العام ولأنه كان مستظلا بنور الله تعالى إلى جانب كونه بين أحضان الدولة الإسلامية هذه الأحضان الدافئة التي تشجع العلم و العلماء و تأوي كل أبناءها وتوجههم بالنصح و الإرشاد و التأطير و الرعاية و ألا تترك الأمور تنفلت وتخرج عن الإطار الإسلامي لتحقق نهضة كاملة و متكاملة و ليس من نافلة القول                               كذلك أن يصرح المؤرخ الفرنسي ''جورج دوبي'' ويقول ٌلو انهزمنا في معركة"بواتني"(732م) أمام الفاتحين المسلمين ,فإن النهضة الأوروبية كانت ستحدث قبل ثلاثة أو أربعة قرون من بدايتها المعروفة ٌ.

كذلك من المؤاخذات الجوهرية الموجهة للفكر العلماني كفلسفة ونظاما للحياة  أنه غريب عن جسم الأمة ولا ينبثق عن عقيدتها وبالتالي يكون عرضة للهزات الاجتماعية والتناقضات ذلك أنه مسقط إسقاطا على واقع الناس لا يستجيب لتطلعاتهم ولا يعكس مشاكلهم الحقيقية وبالتالي يخلق حالة  من النفور بين الحاكم والمحكوم وعدم الاطمئنان لأن الشعب يرى في حاكمه دكتاتورا يجب الخروج عليه والثورة ضده والإطاحة به حتى وإن كلفهم الأمر الاستعانة بالأجنبي وفي المقابل يرى الحاكم في شعبه التمرد والعصيان وعدم تطبيق الأوامر وبالتالي يجب التصدي له بكل الطرق من تعذيب وتنكيل وقتل وتشريد... وهكذا تستمر الصراعات والتناقضات وعدم الاطمئنان وعدم الانسجام والتوافق من جراء عملية الشرخ القائمة بين الموجود والمنشود بين ما هو كائن وما يجب أن يكون.

إذن  فالعلمانية  أو اللائكية   ولدت و نشأت وترعرعت في بيئة غير البيئة الإسلامية وأن محاولة تطبيقها تكون كمن يريد أن يزرع  نخل الجنوب في شمال البلاد, فلن يعمر طويلا حتى وإن آليته الرعاية   اللازمة و أنفقت عليه أموالا طائلة من أسمدة و سقي و غيره       فسرعان ما يذبل و يموت  ولو بعد حين, ذلك أنه أجتث من تربته وغرس في مناخ غير مناخه عكس الشجرة المباركة "أصلها ثابت و فرعها في السماء ".

أما من ناحية تطبيقاتها على أرض  الواقع  فهي ككل الإيديولوجيات  تحمل في مدلولها

نظرية و ممارسة, الجانب النظري و قد أتينا عليه أما الجانب التطبيقي فهو يتسع تقريبا ليشمل كل المذاهب الوضعية, على الأقل من الناحية العملية التي تمس الإنسان في حياته اليومية فهي مع الفكر الماركسي في تحرره الأخلاقي من كل الضوابط و تشترك مع الأطروحات  القومية في فصل الديني عن  السياسي وبالتالي التحرر و التنصل  من كل التوجيهات الدينية خصوصا في جانبها المعاملاتي ,إذن فالأدبيات العلمانية المبنية أساسا على فصل الدين عن الحياة كلها و ليس  عن السياسة فقط كما يروج لها بغية تسويقها و إقناع الناس بها , هي حرب على لله و رسوله و على الإنسان عموما حيث أنها تقصي الدين عن حياة الناس و بالتالي تركهم  كالبهائم لنزواتهم  الشخصية لا يردعهم في ذلك أي رادع  سوى  قانون  متكلس  وضعوه  هم أنفسهم لحماية   مصالحهم الضيقة و الآنية بشكل مباشر أو غير مباشر و خذ مثالا على ذلك تمويل الحملات الانتخابية من طرف الشركات الرأسمالية أو اللوبيات أو المنظمات الدولية و ذلك لنصرة هذا المرشح عن ذاك .و الذي بدوره سيرد الجميل بتحقيق الأهداف و غض النظر عن التجاوزات و لنا في الحروب التي تشنها الدول العلمانية و تواطؤ الدوائر الإعلامية معها خير دليل على ذلك.

 كذلك فالعلمانية لا تولى أهمية للجانب الأخلاقي و السلوكي و تعتبرها مسألة شخصية و تعالجها انطلاقا من النظرة الرأسمالية التي تعتبر المجتمع مجموعة أفراد لا يربطهم إلا الرابط  المعاملاتى الجاف فعلاقة المواطنين يبعضهم  لا تتجاوز الإطار الضيق المتواجدين فيه و الضرورة الحياتية  التي جمعتهم ويكون همهم الأول هو قضاء حوائجهم وفق ما تحدده القوانين غير مبالين بنزعات  الخير و الحب و السلام و طيبة المعشر و دماثة الأخلاق و السلوك القويم و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و إغاثة الملهوف و نصرة المظلوم و الصدق في القول و الإخلاص في العمل و التفاني فيه و حب الوالدين و رعايتهما و صلة الرحم و عيادة المريض و عدم إيذاء الجيران و الزملاء في العمل أو خارجه و الرفق بالحيوان و العمل الصالح و تربية الأبناء على الخلق القويم  و الفعل الحسن و حب الوطن و الذود عنه, ذلك أن قوانينهم المحكومة بالقصور البشري و محدودية التصور العقلي لعلاقات الناس و طباعهم  و مشاعرهم في كل الأمصار و الأعصار و المبنية على الأنانية و الأثرة و الغرور و الكبرياء تنعكس علي معالجتهم لهاته  الميكانزمات فخد مثلا معالجاتهم لمرض فقدان المناعة المكتسبة "SIDA " و هو مرض العصر فهم يختزلونه في الواقي الذكري دون البحث في الأسباب الحقيقية المتسببة في ذلك وهي عميقة جدا و متعددة و في نفس هذا المثال فالقوانين العلمانية تمنع إفشاء  هذا السر للمجتمع لوقايته من حامل هذا الفيروس حتى و إن كان زوجا بل أن حامله يكون طليقا يجوب الشوارع و يأتي نزواته بدون رادع و كيف له أن يراجع نفسه وكل العوامل تدفعه إلى إتيان  الجريمة  فالمجتمع ينبذه والجنس الأخر يغريه و الخمرة تلاعب رأسه ووسائل الكسب الحرام تستهويه خصوصا و أن كل الأبواب موصدة في وجهه من أماكن العمل إلى ملاجئ الإيواء  ومراكز الإنصات ,وفي النهاية تتكاثر بؤر الجريمة والفساد و تتوالد. كذلك نظرتهم للعائلة فهي مبنية على الحريات الفردية المطلقة وهي بذلك تنسف التوافق و الانسجام الأسري فالرجل يمكن أن يتخذ عشيقة والزوجة لها نفس الحق, كذلك الابن والبنت  كل يعيش حياته كما يحلو له  بل أن الفكر  العلماني لا يمنع زنى المحارم و الزواج المثلي و يعتبرها من الحريات الشخصية حيث ان الداروينية مثلا تعتبر العملية الجنسية "لا تعدو أن تكون إطفاء ظمأ بشربة ماء " و أن مجال الحرية الفردية مجال واسع .

   هذا على مستوى العلاقات الحميمة و نفس الشيء على مستوى الإنفاق الأسري فالكل يعمل و الكل له استقلاليته المادية و هذا ما يؤثر على احترام الأبناء للآباء ما يسبب حالة من الفتور و الرتابة  تتحول بمرور الوقت إلى حالة من النفور و التصادم عوض أن يسود الحب والوئام, وهذا كله مؤطر و محمي بقوانين مثل مجلة حماية الطفولة التي تسمح للابن بأن يقاضي أبويه أمام العدالة . واتفاقيات حقوق الإنسان التي تطلق العنان للحريات الشخصية و تجعل الإنسان عبدا لهواه ,عوض أن تؤسس لأسرة متماسكة متضامنة حتى لا نرى و لا نسمع بقضايا عقوق  الوالدين والتفكك الأسري وأطفال الشوارع والطفولة المهددة وأطفال بدون سند و أمهات عازبات و نسب طلاق مرتفعة ناهيك   وأنه في 2008 كانت حالات الطلاق حوالي 9000 أما الزواج فلم يتعد 16000 حالة وهذا كله يهدد النسيج الاجتماعي باعتبار الأسرة هي اللبنة  الأولى في تكوين المجتمع  . 

  مثالا آخر نبين به حيف و نفاق العلمانية باعتبارها تحيد الوازع الديني من كل الميادين الحياتية ففي العلاقات الشغلية مثلا يتم تقاسم الأدوار و التواطؤ بين صاحب المال و رجل السياسة و يكون الضحية الأولى هو العامل الكادح حيث أن أباطرة المال والجاه  ولضمان مراكزهم الاجتماعية المرموقة و حفاظا على مؤسساتهم من الإفلاس فإنهم يعمدون إلى العلاقات المشبوهة من رشوة رجال السياسة وتمويل الحملات الانتخابية لهدف الحفاظ على تشريعات العمل التي تضمن لهم البقاء والتفوق متحكمين في الأسواق بالاحتكار و الغش و التلاعب بالأسعار والبحث عن أسواق خارجية لترويج  المنتوج حتى وإن كان على حساب قوت أبناء  الشعب ذلك أن التشريعات تحميهم و الساسة يغضون عنهم الطرف و العامل ليس له من سند إلا نقابة تمتص له غضبه و تتاجر بألمه و تحول دونه و الثورة على أوضاعه البائسة فهي تخادعه  ببعض الزيادات في الأجور و التي لا تتناسب  و الزيادات في الأسعار و غلاء المعيشة ,و كل العمال يعلمون أن رفع قضية عدلية ضد مؤسسة ما يستغرق الكثير من الإجراءات و البيروقراطية و الوقت و الجهد و في الأخير تكون أمام رجل قانون متواطئ مع صاحب المؤسسة و آليا يخسر العامل القضية و يدفع صاحب المؤسسة في سبيل ذلك رشوة حتى يكون هذا العامل عبرة لغيره. و ما الانتفاضات العمالية التي يشهدها العالم من حين لآخر و ثورات الجياع و المحرومين و صفوف العاطلين عن العمل إلا خير دليل على ما ذهبنا إليه ,أضف إلى ذلك عدم الاستغلال الأمثل للثروات الباطنية وغياب الإرادة الصادقة لإستصلاح الأراضي المهملة و غض النظر عن الحيف و الغبن الواضحين في توزيع الثروة ناهيك و أن 10 بالمائة من سكان المعمورة يملكون 90 بالمائة من ثروات العالم و هذا كله لم يأت إلا من جراء الجشع الرأسمالي و الخداع الديمقراطي و التواطؤ الليبرالي و هؤلاء كلهم إفراز للأطروحات العلمانية العفنة التي تقصى الدين من حياة الناس. و بالتالي تقصي كل ما هو إنساني و جميل و حسن  كالإيثار  و كبح جماح الشهوات و نبذ الأنانية و حب الذات ,و ما مقولات "احترام الآخر" و حقوق الإنسان إلا الصخرة التي تخفي جبلا من الكذب و النفاق و كما يقول شارل بيرد في كتابه التفسير الاقتصادي لدستور الولايات المتحدة الأمريكية " إن الدستور كان في الأساس  وثيقة اقتصادية مبنية على حماية مصالح الحكومة و إن مبدعي الدستور لم ينجزوا مهمتهم تحت سحر المثل العليا إنما كانت عيونهم  على تأسيس أدوات مالية ضرورية للتطور الاقتصادي و الهيمنة على الأسواق العالمية " .

أما على مستوى العلاقات الدولية و نظرتها إلى السياسة  العالمية فهي لا تختلف من حيث الأصل على الأمثلة السابقة المبنية على المكر و الخداع و من ثم الاستغلال و نهب ثروات الشعوب و ذلك عن طريق المنظمات الدولية التي تعتبر الأذرع الطويلة للدول الرأسمالية تستعملها كأداة للتحكم في اقتصاديات الدول الناشئة و بالتالي التحكم في أنظمة الحكم و سياسات التعليم و الإعلام و ذلك عن طريق القروض و الهبات المتبوعة بالإملاءات تحت يافطات تشجيع الديمقراطية والحريات وهؤلاء يسميهم جارودي ب''حفارو القبور'' و يقول "أولائك   الذين يجعلون من الديمقراطية ديناميتا لتفتيت الحدود والسيادة من أجل الهيمنة ".فهم لا يكترثون للشعوب الأخرى أن لحقها ضرر من جراء سياستهم التوسعية و الاستعمارية المبنية أساسا على عقلية التفوق العرقي و على العنصرية  البغيضة   MENSUPER"  " و النزعة الشيطانية "انا خير منه "  إنما همهم الوحيد تركيع الشعوب واستعمارها بصور شتى حتى تكون تابعة ذليلة لمخططاتهم الإجرامية و شعارهم في ذلك مبدأ ميكافيلي  "الغاية تبرر الوسيلة''فمن أجل فتح الأسواق والسيطرة على موارد الطاقة فلا يهم أن يدمر جورج بوش بلدا بأكمله كالعراق متذرعا في ذلك بنشر الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان وتسانده في ذلك أغلب الدول العلمانية وأغلب الدوائر المالية   والإعلامية  والمنظمات الدولية إما خوفا على مصالحها أو تزلفا  وتملقا .ويتم كل هذا تحت مسميات ''لعبة الأمم ''و''اللعبة واللاعب''كما يحددها "مايلز كوبلاند" الكاتب الأمريكي والخبير بشؤون شمال إفريقيا والشرق الأوسط وكأن مصائر  الشعوب و حياة الأمم عند العلمانيين  هي لعبة تخضع لنزوات الأشخاص و شطحاتهم  من كذب ونفاق و مكر و خداع عوض أن تكون السياسة هي رعاية شؤون الناس بكل شفافية و صدق و إخلاص فهي عندهم قتل الأخر و تدميره و تأبيد تخلفه لضمان مصالحهم و مصالح الشركات المتعددة الجنسيات التي  مولت   لهم حملاتهم الانتخابية وبالتالي تحقيق الرفاهية و الرخاء لشعوبهم مقابل تهميش الشعوب الأخرى والإبقاء على تخلفها.

أو كما يقول نعوم تشومسكي في معرض حديثه عن أقنعة حقوق الإنسان " إن ارض العبودية والهجمات الدموية على الهنود والحملات العسكرية .....تتمتع بامتياز فريد في هذا المجال" و يعني بذلك امريكا.

إذن هذه هي العلمانية في مرتكزاتها الفلسفية و في منطلقاتها التاريخية و حيثيات انبعاثها و كذالك في تواجدها في حياة الناس ومعالجتها لمشاكلهم كانت كمن أصلح خطأ بخطإ أفدح منه, ذلك إن أوروبا في القرنين 15 و 16 و نتيجة للحروب الدامية بين الكاثوليك و البروتستانت في البداية, قبل أن تتحول إلى صراع فكري وجداني بين المقدس و المدنس أو بين الديني واللاديني, ثارت على هذا الوضع المتردي المتأزم في إرادة منها لتلمس السبل المثلى للنهضة والخروج من ربقة الكنيسة و أصفادها, فكان لها ذالك و نهضت على أساس عقيدة فصل الدين عن الحياة و كانت نهضة صحيحة من حيث تمثلاتها الإيديولوجية لكنها فاسدة من حيث أنها لم تقنع العقل و لم تطمئن القلب ولم تساير فطرة الإنسان, ذلك إن التدين حاجة ملحة و أكيدة في حياة الإنسان كفرد ليتداخل في حياته حتى يشعر بالسكينة والطمأنينة و التوازن النفسي فإيمان الإنسان بخالق لهذا الكون يتصف بالعظمة والقوة و الرحمة و إن هناك يوم قيامة سنحاسب فيه على أفعالنا إما جزاء و إما عقابا يكون المؤشر لنا على فعل الخير والقيام بالعمل الصالح و لا نبتغ من وراء ذلك إلا نوال مرضاة الله تعالى و بذلك  نبتعد عن أمراض السأم والقلق و الضجر و الشك و الريبة وهي أمراض العصر المؤدية للهلاك و خراب المجتمعات حيث تسود الجريمة و الإساءة للغير و الإيذاء و الاستغلال و الظلم و الاغتصاب و الإهانة و الإذلال . قال تعالى "وننزّل من القران ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين "

و هذا ما نلاحظه في  المجتمعات المادية التي تسودها الأنظمة العلمانية التي تقصي الدين من حياة المجتمع, حتى و إن تسترت بتقدمها العلمي و تفوقها التكنولوجي ذلك إن " النفس أمارة بالسوء " و إن القوة الوحيدة التي تحمي الإنسان و تكبح جماح نفسه من الوقوع في الشر هي الدين وهو وحده القادر على إن يغرس في النفوس الطيبة و الخير و العمل الصالح

و الإيمان كذلك يبعدها عن الشر و الظلم, و من الوظائف العديدة التي يؤديها على المستوى النفسي نجد ( شقاء الإنسان بدون اله عند باسكال )  (الدين أساس التماسك لاجتماعي عند دور كايم ) كذلك ( الرأسمال الروحي و إمكانية تحوله إلى رأسمال مادي عند بيير بورديو ) ( التكفير عن الذنوب و تهدئة المخاوف عند دفيد هيوم ) ( السعادة التي يوفرها الاعتقاد عند نيتشة ) أو ما ذهب إليه دستويفسكي عند ما قال " لو كان الله غير موجود لأصبح كل شيء مباحا " من هنا نتبين قيمة الو اعز الديني في حياة الإنسان و الذي يتجلى في الخير و العمل الصالح و التسامح و التجاوز على الآخرين و القلب العامر بالحب و كما قال عليه الصلاة و السلام "الآ إن في الجسم مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد و إذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب " لكن العلمانية تريد إن تجعل هذا القلب خاليا و خاويا لا تحركه إلا شهوات النفس و انزلاقها نحو الكذب و النفاق و الكسب الحرام و كما قال عليه الصلاة و السلام " حفت الجنة بالمكاره و حفت النار بالشهوات ". و بناءا عليه ليس من باب الصدفة إن يسمح العلمانيون بالزواج المثلي و بالخروج عن الأطر العائلية و عقوق الولدين و تعدد العشيقات و ممارسة كل أنواع الشذوذ الجنسي واعتبار ذلك من الحرية الشخصية. و استغلال العمال و نهب ثروات الشعوب بواسطة المؤسسات العملاقة و الشركات المتعددة الجنسيات من الحرية الاقتصادية وهم كذلك يعتبرون تواطؤ المؤسسات الإعلامية و قلاع الفن و السينما  مع الامبريالية العالمية و تسترها على الجرائم الفظيعة التي ترتكب في حق الإنسان حرية تعبير . وان تكون عبادة الشيطان و التنكر للواحد الديان من حرية المعتقد. حيث إن العلمانيين و هذه حالهم من البؤس الروحي والخواء الأخلاقي, بفصلهم للدين عن الحياة العامة قد جمعوا كل الشرور ولن نندهش أو نذهل إذا علمنا مثلا أن كمية الأسمدة المستخدمة في مروج أمريكا و ملاعب الغولف و ساحات مقابرها تعادل كل السماد الذي تستخدمه الهند لإنتاج الغذاء. كذالك ثمن جرافة أمريكية كان يعادل 680 طن من السكر في الستينات ,فقط بعد 20 سنة عليك أن تدفع ما يعادل 5000 طن من نفس المادة لشراء نفس الجرافة . و هذا مثالا آخر ففي عام 1965 كانت ثلاثة أطنان من الموز تعادل ثمن جرار أما في العام 1990 فقد أصبح نفس الجرار بما يعادل 15 طن من الموز ...و قس على ذالك اغلب منتجات العالم الثالث...  و ذلك لتأبيد حالة الفقر و التعاسة في الشعوب مقابل ازدهار ورفاهية الدول الرأسمالية العلمانية وبتم ذلك تحت أنظار البنك الدولي وصناديق التنمية ...

كذالك الإنسان العلماني في معظم الحالات وهو يقوم بالأعمال الخيرية كالإغاثة و التطوع و المساهمات فهذه البروتوكولات هي في غالبها للتعتيم و التمويه عن جرائم النهب و السرقة و هي كذالك بحثا عن سعادة مفقودة فخذ مثلا المغنية الفرنسية لوباز فهي تؤمّن على مؤخرتها بما يعادل ربع الأموال المرصودة من الأمم المتحدة لمحاربة المجاعة في إفريقيا أو اللاعب البرازيلي رونالدو فهو يؤمن على ساقيه بمبلغ ثلاثة و عشرون مليار و ملايين أطفال الشوارع في وطنه بلا مأوى...

هذه حقيقة العلمانية عارية و على البشرية أن تلفظها خصوصا بعدما تبين زيفها و بؤسها و أن ننادي مع عالم الاجتماع - رودني ستارك -  وهو يبين إخفاقات العلمانية "فبعد ثلاثة قرون من إخفاق نبوءاته, حري بمبدأ العلمنة أن يلقى في مقبرة النظريات الفاشلة" و انه لا خلاص للإنسانية إلا بالعودة للإيمان كما قال جارودي في وصيته للقرن الحادي و العشرون ذلك إن الأعمال الصالحة من إخاء و تضامن وتعاون و عدل و مساواة و حرية حقيقة  لا تتأتي إلا بالقلوب الممتلئة بالأيمان بالله تعالى المخلصة لوجهه سبحانه الخائفة من عقابه و الراجية مغفرته يقول تعالى "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة و لنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون "  و يكفي أن نشير إلى تلازم الإيمان بالله العمل الصالح في القرآن الكريم 260 مرة و هذا تأكيد على أن الإيمان  بالله لا يورث إلا  العمل الصالح و فعل الخير و إن العمل الصالح لا يكون إلا بالإيمان بالله  و الإخلاص لوجهه فكان عمل الصالحات ثمرة الإيمان و مصداق خلوص هذا الإيمان  .

و في الأخير و حتى لا ننسى أذكركم  و أن الرئيس المخلوع بن علي كان علمانيا بل و لائكيا حيث عمل و بكل الطرق على اجتثاث الإسلام من الجذور و تجفيف منابعه وذلك بسجن و اغتيال حملة دعوته و إقصائه من مناهج التعليم و أبعاده عن حياة الناس و إلهائهم بالقشور و كذالك تهميشه للغة العربية و إحالة حامليها على البطالة المهنية و العاطلة الأدبية و تمييعها و تقزيم دورها في كل المجالات من الإدارة إلى الإعلام إلى الإشهار بل و الازدراء و الاستهتار بمن يتكلمها تشجيع اللهجة العامية و اللغة الفرنسية أو العربية المكتوبة بالفرنسية  و ذلك في عمل ممنهج  القصد منه ضرب هوية هذا الشعب الكريم من جذوره حتى يكون تابعا  طفيليا للغرب  .ويكفي أن أشير هنا إلى ما كتبه الصحفي الفرنسي المشهور ' جون لي روبنسون ' و نشره في المجلة الفصلية " الصحافة الفرنسية " في خريف 1987  حيث قال " حري بنا نحن الفرنسيين أن نساند هذا الرجل ( بن علي ) و أن نغضّ البصر عن بعض انتهاكات حقوق الإنسان , فهو الزعيم العربي الشجاع الذي مكن عددا كبيرا من الملحدين و اللائكيين لتدريس التربية في المعاهد حتى يحيدوا الأجيال التونسية عن الإسلام و التطرف  " .

إذن فالإسلام هو ملاذنا الأول و الأخير وسط هذا الكم الهائل من الأفكار و الاديولوجيات  و هو شاطئ السلام في خضم هذه  الأمواج المتلاطمة من فلسفات و مفاهيم وهو كذالك صمام الأمان للخروج إلى برّ الأمان سالمين محافظين على وحدة مجتمعنا و تجانس قناعته التي هي إسلامية بالأساس .                                 

فالإسلام الذي تحصّنا به أمام الغزو الأجنبي 1270 (سان لوي ) أو 1535 (شارل الخامس ) أو أيام الغزو التبشيري في الحقبة الاستعمارية هو أولى بنا من العلمانية و اللائكية لإرساء قواعد مجتمع إسلامي أصله ثابت في إسلامه و عربيته و فرعه يتلألأ في سماء العلم والمعرفة و التحاور الندّي مع الأخر تحت راية نظام إسلامي عادل متبلور في دولة الخلافة .

و الله الموفق

Add a Comment
Comment as a guest or ( Login / Create an account )
Full name : e-mail :  * will not be displayed
Retype the picture text
Add your comment

Other languages : Verkus in English English, Verkus en Français Français. Terms of use | Privacy Policy | Help © Verkus 2008-2010, All rights reserved.